محمد بن جرير الطبري

80

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

السَّبْتِ أي نحولهم قردة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الحسن : أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ يقول : أو نجعلهم قردة . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ أو نجعلهم قردة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ قال : هم يهود جميعا ، نلعن هؤلاء كما لعنا الذين لعنا منهم من أصحاب السبت . وأما قوله : وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا فإنه يعني : وكان جميع ما أمر الله أن يكون كائنا مخلوقا موجودا ، لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خلقه . والأمر في هذا الموضع : المأمور ، سمي أمر الله لأنه عن أمره كان وبأمره ، والمعنى : وكان ما أمر الله مفعولا . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ، وإن الله لا يغفر أن يشرك به ، فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر ، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام . وإذ كان ذلك معنى الكلام ، فإن قوله : أَنْ يُشْرَكَ بِهِ في موضع نصب بوقوع يغفر عليها وإن شئت بفقد الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهرا ، وذلك أن يوجه معناه : إلى أن الله لا يغفر بأن يشرك به على تأويل الجزاء ، كأنه قيل : إن الله لا يغفر ذنبا مع شرك أو عن شرك ؛ وعلى هذا التأويل يتوجه أن تكون " أن " في موضع خفض في قول بعض أهل العربية . وذكر أن هذه الآية نزلت في أقوام ارتابوا في أمر المشركين حين نزلت : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ذكر الخبر بذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : ثني محبر ، عن عبد الله بن عمر ، أنه قال : لما نزلت : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية ، قام رجل فقال : والشرك يا نبي الله . فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، في قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ قال : أخبرني محبر ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : لما نزلت هذه الآية : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية ، قام رجل فقال : والشرك يا نبي الله . فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ حدثني محمد بن خلف العسقلاني ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا الهيثم بن حماد ، قال : ثنا بكر بن عبد الله المزني ، عن ابن عمر ، قال : كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس ، وآكل مال اليتيم ، وشاهد الزور ، وقاطع الرحم ، حتى نزلت هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فأمسكنا عن الشهادة . وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله ، إن شاء عفا عنه ، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرة شركا بالله . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً يعني بذلك جل ثناؤه : ومن يشرك بالله في عبادته غيره من خلقه ، فقد افترى إثما عظيما ، يقول : فقد اختلق إثما عظيما . وإنما جعله الله تعالى ذكره مفتريا ، لأنه قال زورا وإفكا بجحود وحدانية الله وإقراره بأن لله شريكا من خلقه وصاحبة أو ولدا ، فقائل ذلك مفتر ، وكذلك كل كاذب فهو مفتر في كذبه مختلق له . القول في تأويل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ يعني بذلك جل ثناؤه : ألم تر يا محمد بقلبك الذين يزكون أنفسهم من اليهود فيبرئونها من الذنوب ، ويطهرونها . واختلف أهل التأويل في المعنى الذي كانت اليهود تزكي به أنفسها ، فقال بعضهم : كانت تزكيتهم أنفسهم قولهم : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا وهم أعداء الله